يرى أمين أيوب أن روسيا تتحرك بخطوات محسوبة لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط عبر بوابة مصر، مستغلة أزمتها الاقتصادية المتفاقمة لطرح مشروع استراتيجي قد يعيد رسم تحالفاتها الدولية ويضعها أمام خيارات صعبة.


ينقل يديعوت أحرونوت هذا التحليل الذي يكشف كيف يتجاوز التعاون الاقتصادي الظاهر بين موسكو والقاهرة حدود التجارة، ليمتد إلى حسابات نفوذ عميقة تمس الأمن والطاقة والغذاء في المنطقة.


مشروع “المركز الروسي”.. اقتصاد أم نفوذ؟


أبرم لقاء مغلق في الكرملين بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتفاقًا يحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز كونه نقاشًا تجاريًا عاديًا. طرح بوتين خلاله إنشاء مركز ضخم للحبوب والطاقة داخل مصر، بهدف تأمين صادرات روسيا وتقليل تأثرها بالعقوبات الغربية.


جاء هذا المقترح بعد اتصال مباشر بين بوتين ورئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي، وفي توقيت يشهد اضطرابًا إقليميًا واسعًا بسبب التصعيد العسكري مع إيران وتأثيره على أسواق الطاقة العالمية.


يسعى المشروع إلى تحويل مصر إلى محور لوجستي لتوزيع الموارد الروسية في أفريقيا والشرق الأوسط، ما يمنح موسكو موطئ قدم أعمق قرب قناة السويس، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.


أزمة اقتصادية تدفع القاهرة نحو موسكو


تواجه مصر ضغوطًا اقتصادية حادة تشمل ديونًا خارجية متزايدة وتراجعًا في الاحتياطي النقدي، إلى جانب انخفاض عائدات قناة السويس نتيجة اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وتحويل السفن لمسارات بديلة.


في هذا السياق، يظهر العرض الروسي كطوق نجاة محتمل، لكنه يحمل في طياته مخاطر تعميق الاعتماد على موسكو. تعتمد مصر بالفعل بشكل كبير على واردات القمح، حيث تعد أكبر مستورد عالمي، وتلعب روسيا دورًا رئيسيًا في تلبية هذه الاحتياجات.


يشير التحليل إلى أن تعزيز هذا الاعتماد قد يضع الأمن الغذائي المصري تحت تأثير مورد واحد، خاصة مع تقارير تفيد بوصول حبوب من مناطق أوكرانية خاضعة للسيطرة الروسية إلى السوق المصرية.


في قطاع الطاقة، تعاني مصر من نقص الإنتاج المحلي وارتفاع الأسعار عالميًا، ما يؤدي إلى انقطاعات كهربائية متكررة. قد يوفر المشروع الروسي مصدرًا بديلًا للطاقة خارج منطقة الخليج، لكنه يعمّق الارتباط الاستراتيجي مع موسكو.


تداعيات استراتيجية على التوازن الدولي


يتجاوز المشروع الأبعاد الاقتصادية ليطرح تساؤلات أمنية حساسة؛ إذ يرى بعض المحللين أن البنية التحتية المقترحة قد تحمل استخدامات مزدوجة، ما يفتح الباب أمام دور لوجستي أو أمني روسي أوسع في منطقة شديدة الحساسية.


تعزز الاستثمارات الروسية الحالية، مثل المنطقة الصناعية الروسية في محور قناة السويس، هذا التوجه، وتمنح موسكو نفوذًا متزايدًا بالقرب من ممرات التجارة العالمية.


تثير هذه التحركات قلق الولايات المتحدة، التي تنظر إلى مصر كحليف استراتيجي رئيسي، وتقدم لها دعمًا عسكريًا سنويًا كبيرًا. أي تقارب أعمق بين القاهرة وموسكو قد يهدد هذا التوازن ويعيد تشكيل علاقات مصر الدولية.


يدعو بعض صناع القرار في واشنطن إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادية والعسكرية لدفع مصر إلى إعادة النظر في هذا المسار، سواء عبر تقديم حوافز بديلة أو التلويح بعواقب محتملة.


تقف مصر عند مفترق طرق حاسم؛ إذ تدفعها الضغوط الاقتصادية نحو خيارات جديدة قد تعيد رسم موقعها في الخريطة الجيوسياسية. يبدو العرض الروسي مغريًا في لحظة أزمة، لكنه يحمل معه ثمنًا استراتيجيًا قد يتجاوز المكاسب قصيرة المدى.


في لعبة النفوذ الكبرى، لا تأتي المساعدات بلا مقابل… وكل شحنة قمح أو برميل نفط قد يحمل في طياته تحولًا أعمق في ميزان القوى.

 

https://www.ynetnews.com/opinions-analysis/article/rkljhjpiwx#google_vignette